الشيخ محمد النهاوندي

7

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

عيسى عليه السّلام . وبينا هو على البراق إذ رأى عفريتا من الجنّ يطلبه بثعلة من نار ، كلّما التفت رآه ، فقال له جبرئيل : ألا اعلّمك كلمات تقولهنّ ، إذا أنت قلتهنّ طفئت شعلته وخرّ لفيه ؟ فقال : « بلى » . فقال جبرئيل : قل أعوذ بوجه اللّه الكريم ، وبكلمات اللّه التامّات اللّاتي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر ، من شرّ ما ينزل من السماء ، ومن شرّ ما يعرج فيها ، ومن شرّ ما ذرأ في الأرض ، ومن شرّ ما يخرج منها ، ومن فتن الليل والنهار ، ومن طوارق الليل والنهار ، إلّا طارقا يطرق بخير يا رحمن . فقال صلّى اللّه عليه وآله ذلك ، فانكبّ لفيه ، وطفئت شعلته ، فرأى صلّى اللّه عليه وآله قوما يزرعون ويحصدون من ساعته ، وكلّما حصدوا عاد كما كان ، فقال : « يا جبرئيل ، ما هذا ؟ » قال : هؤلاء المجاهدون في سبيل اللّه ، تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ، وما انفقوا من خير فهو يخلفه . فنادى مناد عن يمينه : يا محمّد ، انظرني أسألك ، فلم يجبه ، فقال : « ما هذا يا جبرئيل ؟ » قال : هذا داعي اليهود ، أما إنّك لو أجبته لتهوّدت امّتك ، ونادى مناد عن يساره كذلك ، فلم يجبه ، فقال : « ما هذا يا جبرئيل ؟ » فقال : هذا داعي النصارى ، أما إنّك لو أجبته لتنصّرت امّتك ، فرأى امرأة حاسرة عن ذراعها ، فقالت : يا محمّد ، انظرني أسألك ، فلم يلتفت إليها ، فقال : « من هذه يا جبرئيل ؟ » فقال : تلك الدنيا ، أما إنك لو أجبتها لاختارت امّتك الدنيا على الآخرة . إلى أن قال : ومضى صلّى اللّه عليه وآله حتى أتى إيليا من أرض الشام ، فاستقبله من الملائكة جمّ غفير لا يحصى عددهم ، فدخلها من الباب [ اليماني ] الذي فيه مثال الشمس والقمر ، ثمّ انتهى إلى بيت المقدس ، وكان بباب المسجد حجر ، فأدخل جبرئيل يده فيه فخرقه ، فكان فيه كهيئة الحلقة وربط به البراق . ثمّ دخل عليه السّلام المسجد ، ونزلت الملائكة ، وأحيا اللّه له آدم ومن دونه من الأنبياء ، فسلّموا عليه وهنّأوه بما أعطاه اللّه من الكرامة ، وقالوا : الحمد للّه الذي جعلك خاتم الأنبياء ، فنعم النبيّ أنت ، ونعم الأخ أنت ، وامّتك خير الأمم . ثمّ قال جبرئيل : تقدّم يا محمّد وصلّ باخوانك من الأنبياء ركعتين ، فصلّى بهم ركعتين ، وكان خلف ظهره إبراهيم ، وعن يمينه إسماعيل ، وعن يساره إسحاق ، وكانوا سبعة صفوف ؛ ثلاثة [ صفوف ] من الأنبياء المرسلين ، وأربعة من سائر الأنبياء . قال صلّى اللّه عليه وآله : « لمّا وصلت إلى بيت المقدس وصلّيت فيه ركعتين ، أخذني العطش أشدّ ما أخذني ، فأتيت بإناءين ؛ في أحدهما لبن ، وفي الآخر خمر ، فأخذت الذي فيه اللبن - وكان ذلك بتوفيق ربّي - فشّربته إلّا قليلا منه ، وتركت الخمر ، فقال جبرئيل : أصبت الفطرة يا محمد ، أما إنّك لو شربت الخمر لغوت امّتك كلّها ، ولو شربت اللبن كلّه لما ضلّ أحد من امّتك بعدك . فقلت : يا جبرئيل : أردد عليّ